هذا العصر، عصر الإنترنت والفضاء المفتوح، أسقط أساليب العزل والمنع، ولم يعد التعتيم أو الحظر وسيلة فعالة. والحل الوحيد الذي يثبت جدواه اليوم هو الانخراط الواعي في هذا الفضاء، ومواجهة الفكر بالفكر، والحجة بالحجة.
ومن هنا، يتحتم علينا نحن المسلمين أن نستوعب خطورة هذا الانفتاح، وأن نتهيأ له، لا بالانغلاق، بل بالعلم والحكمة، وبالجمع بين فهم معطيات الواقع وثوابت ديننا. علينا أن نكون حاضرين في ميادين الحوار، مشاركين بفكر ناضج، وملتزمين بقيمنا، عارضين ما عندنا من هدى ونور، إسهاماً منا في إنقاذ الناس من التيه إلى طريق الحق، مستلهمين قوله تعالى:
{وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا... وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52-53).
إننا بحاجة إلى الإصغاء للآخرين، لا لمجرد السماع، بل للفهم والحوار والإقناع. فالمخاطبة بلغة العقل والفطرة هي المدخل الصحيح لتقبل الدعوة، مع اليقين بأن ديننا هو الحق المبين، وأن ما سو
اه من الأديان والنحل محض افتراء. ومع ذلك، فإن من الحكمة أن نبدأ من أرضية مشتركة تجمعنا مع الآخرين، كما قال تعالى:
{قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۢ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...} (آل عمران: 64).
وقد أرشدنا الله عز وجل إلى أسلوب رفيع في عرض الحق، يخلو من التشنج والتعصب، كما في قوله:
{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ...} (سبأ: 24-25)،
ففي هذا الأسلوب تنزُّل للخصم، واحترام لعقله، مع الثقة التامة بالحق الذي نحمله.
وإذا كان هذا هو النهج مع غير المسلمين، فكيف يجب أن يكون حالنا في الحوار داخل البيت الإسلامي الواحد؟ للأسف، يشهد الحوار بين المسلمين أنفسهم أزمات حادة، تحتاج إلى معالجة عاجلة، قبل أن يتفاقم الضرر.
لقد أظهرت منتديات الحوار، ووسائل التواصل، مدى ضعفنا في إدارة النقاشات، وتجاهلنا لمساحات الاتفاق الواسعة بيننا، سواء في العقيدة أو في مقاصد الشريعة، في مقابل تضخيم الخلافات، حتى وإن كانت جزئية أو هامشية، مما يؤدي إلى نتائج وخيمة، منها تجاوزات أخلاقية خطيرة، وممارسات تفرق ولا تجمع، كقول بعضنا: "إن لم تكن معي فأنت ضدي".
نصل في بعض الأحيان إلى حدّ المفاصلة أو حتى العداء، لمجرد وجود تباين في الرأي، فنفقد روح الأخوة، ونتحول إلى خصوم، مع أن الأصل أن نكون شركاء في الحق، متعاونين على البر والتقوى.
وهذا السجال العقيم، الذي يُعرض على الناس جهاراً، يجعلهم يتساءلون: كيف تدعوننا إلى دين لم تتفقوا عليه أنتم بعد؟ كيف تقدمون لنا قيماً لا تلتزمون بها في واقعكم؟ حلّوا مشكلاتكم أولاً، ثم تعالوا لخدمة البشرية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق